أبو نصر الفارابي
18
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
تتركب من مادة مشتركة وصور متضادة تختلف عليها فتكون الأجسام وتفسد . وهذه الكائنات الأرضية هي الاسطقسات الأربعة والمعادن والنبات والحيوان والانسان . وفي هاتين الناحيتين الميتافيزيقية والطبيعية يعكس الفارابي فلسفة أرسطو . وتبنى نظرية أفلوطين الفيضية لتفسير صدور العالم عن الله . كما يقتفي أثر أرسطو في كلامه على النفس وقواها والجسم وتركيبه . ولكنه يأتي بآراء طريفة عندما يتحدث عن المتخيلة فيجعل لها دورا معرفيا ودورا تمثيليا إلى جانب دورها في حفظ صور المحسوسات وتركيبها . وبناء على هذا الدور يقدم الفارابي تفسيرا قيما للأحلام والنبوة . الدور المعرفي يبدو في اتصال المتخيلة بالعقل الفعال وتلقّي المعرفة منه ، وهي لا تقوم بهذا الدور الا إذا بلغت شأوا من الكمال والقوة لا نقع عليه الا عند الأنبياء . أما دور المحاكاة الذي يعني قدرة المتخيلة على تمثيل ما عند قوى النفس الأخرى بالصور التي اختزنتها فهو سر الأحلام . وبذا يكون الفارابي متقدما على فرويد في هذا المجال ، أي تفسير الأحلام تفسيرا علميا . ان فلسفة الفارابي الميتافيزيقية والطبيعية التي حذا فيها حذو أرسطو عرضته كما عرضت أرسطو للنقد الشديد من جانب المتكلمين المسلمين قديما والعلم الحديث في أوروبا . أما في الناحية الاجتماعية فنرى الفارابي ينأى عن أرسطو ويقترب من أفلاطون فهو مثله يبني الاجتماع الانساني على أساس الحاجة إلى التعاون بين الأفراد لسد متطلبات الحياة المختلفة . وهو مثله يفرض في رئيس المدينة الفاضلة الشروط ذاتها التي أوردها أفلاطون في رئيس الجمهورية ، ويوجب أن يكون الرئيس فيلسوفا . ولكن الفارابي - متأثرا بالبيئة الاسلامية التي عاش فيها - قال إن الرئيس يمكن أن يكون نبيا أيضا ، لأن النبي يشبه الفيلسوف في المستوى المعرفي ، فهو مثله يتصل بالعقل الفعال ويستمد منه العلم ولكن بواسطة متخيلته وليس